
في جولتي التفقدية لشبكة الانترنت قادني بحثي عن فنيات كتابة القصة إلى موقع الكاتب السعودي محمد بن عبد العزيز الداود ، الذي ضمنه نصائح لقرائه حول كتابة الرواية أجدها حقا نصائح ذات فائدة وعملية كبيرة ، وقرأت له قصة نشرها في موقعه أعجبتني كثيرا عنوانها ( ونطق الصمت ) رائعة في فكرتها ومضمونها ، وشعرت أني متحمسة جدا لاقتناء أي من رواياته المنشورة ، فتوجهت في اليوم التالي إلى مكتبة جرير في أبوظبي ، حيث وجدت أن روايته الجديدة (طريق الحب) قد نفدت نسخها جميعا ، ولكني حصلت على نسخة من رواية (أوراق طالب سعودي في الخارج) فشرعت في قراءتها وإليكم تعليقي عليها :
الرواية تحكي قصة طالب سعودي يسافر إلى نيوزلندة لمدة شهرين يتعلم فيهما اللغة الإنجليزية ، وهي كما يبدو تجربته الأولى في السفر وتحمل المسؤولية ، يتعرض الطالب لصعوبات كثيرة في غربته كإيجاد سكن مريح والتأقلم مع الحياة الجديدة ، والرد على تساؤلات الجنسيات الأخرى عن ثقافته ودينه ، كما يصطدم بتشعب الحياة والاتجاهات والسلوك ، فيؤثر أن يلزم طريق الاستقامة مع صحبة المسجد من الخيرين هناك ، فتكون له سندا وسلوى ، ويكمل الطالب(محمد) مسيرته الدراسية متصلا بأصدقائه المقربين ومهتما بهم ، ويودعهم في نهاية المطاف وقد حظي بحبهم وتقديرهم ليعود لوطنه الرياض ويسعد بلقيا أسرته ووالدته .
القصة تعرض ليوميات الطالب من تنقل وسفر ودراسة ، مواقف شغب ومرض وتمتمات مرحة تطالعك بين الفينة والأخرى ، متضمنة معلومات متناثرة حول الأماكن والشخصيات تثري حصيلة القارئ…
قسم الكاتب أحداث القصة إلى فصول متساوية بعناوين مختلفة زينها ببعض الحكم النيوزلندية كمدخل لكل فكرة.
أحداث القصة تسير في خط هادئ ، قد يتصاعد أحيانا لكنه ما يلبث أن يعود إلى الهدوء ذلك الذي تلحظه من خلال اللغة ووصف المكان ، ولا يمكن القول أن للقصة عقدة واضحة أو مشكلة تدور حولها الأحداث ، فلا توجد نقطة ذروة في الأحداث ، فكل حدث جاء منفصلا وقد لا يرتبط بالبطل نفسه ، فالقصة قائمة على تعاقب الأحداث المرتبطة بشخصيات أخرى على لسان الطالب المغترب ، وحتى إن كانت متنوعة فإنها تخلو من الذروة والتصاعد فيما عدا موقف عراك طلال وتوماس .
وقد توجد أحداث ومشاهد في القصة لا تؤدي دورا جوهريا سوى الانتقال والتنوع ، مثل وصول البطل إلى دبي مثلا ولقاءه باثنين من أصدقاءه لم يكن لهما أي دور في أحداث القصة .
الشخصية الرئيسة في الرواية هي شخصية محمد ، وبالرغم من أن محمدا هو المتحدث الأول في القصة إلا أنه لا يتحدث عن نفسه كثيرا ،بحيث يسرد محمد ما يحصل معه ذاتيا من خلال احتكاكه مع من حوله ، ولا تبدو ملامح شخصيته إلا من خلال تعامل الآخرين وردود أفعالهم معه ، وبدا لنا أن محمدا شخصية متزنة وصالحة جدا ، لا تعيش أية صراعات داخلية واضحة ، فمنذ منتصف القصة في فصل (مفترق الطرق) تستطيع أن تحدد ميوله واهتماماته سريعا ، ومحمد شخصية غنية بالأحداث ذلك أنها شخصية محبوبة تتمحور حولها بقية الشخصيات .
وفي نظري لا توجد شخصية توازي مستوى حضور(محمد) في القصة فالثقل يكمن فيها ، وحتى شخصية (عذيب ) الصديق المقرب لمحمد لم تنل حظها من الوصف والحضور.
ومع تنوع الشخصيات لا نجد الكاتب قد تعمق فيها كثيرا ، فوصفها بسطحية نوعا ما ، كما نلاحظ غياب العنصر الأنثوي ، كانت هناك شخصيات نسائية لكن الكاتب اختارها جميعا كبيرة السن ، ربما لأن الاتجاه السائد في القصة كان إسلاميا ، لكن لا نستطيع تجاهل أن من أهم الصعوبات التي قد يواجهها المغترب العربي المسلم هو التعامل مع العنصر النسائي خصوصا أن وطنه ذو ثقافة محافظة لا تعطيه الخبرة والفرصة الكافية لمثل هذا الاحتكاك.
لغة الكاتب رائقة وجميلة خصوصا في وصف بعض المناظر المتناثرة في أحداث القصة ، الألفاظ جاءت متوافقة مع الأحداث ومع شخصية (محمد) المتزنة ،وبين الأسطر قد يطالعك أسلوب مرح أو كلمات عامية جاءت في نظري متناسقة ومستقرة ، كما أن هناك لفتات لغوية وأسلوبية تنم عن قلم واعد ، ولكني أرى أن الكاتب لم يستخدم إمكانياته اللغوية كاملة ، فلا زالت هناك بعض المواقف الرائعة التي لو استغلها الكاتب في الوصف والتعليق لكانت مساحة مميزة لإبراز موهبته التعبيرية بأبعادها الحقيقة .
أما عن التقنيات الكتابية فقد حاول الكاتب التنويع فيها مستعملا بشكل أساسي أسلوب السرد الذاتي الذي يتضمن حوارات خارجية بحسب الحاجة لذلك ، كما استخدم الكاتب تقنية السرد الذاتي بشكل ممر لكل الطلبة الذين قابلوا محمدا ، ليجعل كل شخصية تتحدث عن نفسها ثم تختم كلامها بنظرتها تجاه محمد ،ونلمح عدم اهتمام الكاتب بتقنية الاسترجاع ، فلا يحكي محمد لنا شيئا عن ماضيه أو همومه ، ولو فعل لاستطاع أن يعمق الشخصية أكثر في أذهان المتلقين .
حرص الكاتب على الاعتناء بالقصة في مضمونها والتنويع في مواضيعها مبتعدا عن الملل المخل ، فنلمس تعب الكاتب في بناء قصته ، ففيها كثير من الإشارات الجميلة لمعان وقيم رائعة ، وكما ذكرت سابقا رغم جمال تلك الإشارات الذكية ، إلا أن الكاتب لم يستغلها بشكل أعمق حيث حملت الرواية فرصا جميلة للتوسع والتكثيف الأسلوبي واللغوي مثل موقف محمد والأذان ، أو كلمة محمد الختامية ، أو لحظة الوصول للوطن …وغيرها .
ونجد كذلك أن الكاتب قد ختم القصة بذكر ما حصل لكل شخصية من الشخصيات التي مرت علينا في القصة، ولعل ذلك ليس ذو أهمية كبيرة لأن تلك الشخصيات لم تكن جميعها تعيش صراعا يحتاج إلى حسم في نهاية القصة.
القصة فرصة ذهبية لكاتبها نال منها حظا جميلا ، لكن كان بإمكانه الأفضل في نظري ، فقصته (نطق الصمت) تحمل تحديا وعنصرا تشويقا أكبر مما حملته رواية أوراق طالب سعودي في الخارج ، وعلى كل فإني أرى القصة جميلة حقا ، في هدوءها وتناسقها واتزانها ، ولعلي ذكرت كثيرا من الملاحظات _وهذا دليل نجاحها _ ففيها ثراء وأفق لم يكتمل ، وفيها فرصة للراحة والجمال وقليل من الروايات من يمنحك هذا الإحساس .
تحياتي للكاتب ولقرائه الذين أتمنى لهم قراءة ممتعة .
فيض أقلامكم